النظريات الرئيسية لتنظيم المشاعر وتداعياتها على إدارة المشاعر في مكان العمل

في بيئات العمل الحديثة، لم تعد الكفاءة التقنية وحدها كافية لضمان النجاح المؤسسي. بل أصبح تنظيم المشاعر والذكاء العاطفي من العوامل الحاسمة التي تؤثر على رفاهية الموظفين، جودة الأداء، وفعالية القيادة. في هذا المقال، نستعرض النظريات الرئيسية لتنظيم المشاعر، ونناقش مفهوم “العمل العاطفي”، ونقارن بين الذكاء العاطفي (EQ) والذكاء التقليدي (IQ)، مع تسليط الضوء على التدخلات الفعالة للتخفيف من الإرهاق النفسي وتعزيز المرونة العاطفية في بيئات العمل عالية الضغط.


 أولًا: نظريات تنظيم المشاعر في السياق المهني

تنظيم المشاعر هو عملية واعية أو غير واعية تهدف إلى تعديل الاستجابات العاطفية بما يتناسب مع الموقف والسياق الاجتماعي. ومن أبرز النظريات التي تناولت هذا المفهوم:

• نظرية جروس لتنظيم المشاعر (Gross’s Process Model)

تقترح أن تنظيم المشاعر يحدث عبر خمس مراحل: اختيار الموقف، تعديل الموقف، توجيه الانتباه، إعادة التقييم المعرفي، وكبت الاستجابة. في بيئة العمل، يُستخدم هذا النموذج لفهم كيف يتعامل الموظفون مع الضغوط والمواقف الصعبة دون أن يؤثر ذلك سلبًا على أدائهم أو علاقاتهم المهنية.

• نظرية التقييم المعرفي (Cognitive Appraisal Theory)

تؤكد أن الطريقة التي يُقيّم بها الفرد الحدث هي التي تحدد نوع الاستجابة العاطفية. الموظف الذي يرى تحديًا في مهمة صعبة سيشعر بالحماس، بينما من يراها تهديدًا قد يشعر بالقلق أو الإحباط.

• نظرية التنظيم الاجتماعي للعاطفة (Social Regulation Theory)

تشير إلى أن المشاعر لا تُنظّم فقط داخليًا، بل أيضًا من خلال التفاعل مع الآخرين. في فرق العمل، تلعب العلاقات المهنية دورًا في تهدئة التوتر أو زيادته، مما يجعل بيئة العمل عاملًا مؤثرًا في تنظيم المشاعر.


 مفهوم العمل العاطفي وأثره على رفاهية الموظفين

العمل العاطفي (Emotional Labor) هو الجهد الذي يبذله الموظف لتنظيم مشاعره أو التعبير عنها بطريقة تتوافق مع توقعات المنظمة أو العملاء. يُستخدم هذا المفهوم بشكل خاص في الوظائف التي تتطلب تفاعلًا مباشرًا مع الجمهور، مثل خدمة العملاء، التعليم، أو الرعاية الصحية.

أنواع العمل العاطفي:

• السطحي (Surface Acting): إظهار مشاعر لا يشعر بها الموظف فعليًا.

• العميق (Deep Acting): محاولة تغيير المشاعر الداخلية لتتناسب مع المطلوب.

الآثار النفسية:

• العمل العاطفي السطحي يرتبط بزيادة الإرهاق النفسي، انخفاض الرضا الوظيفي، وتراجع الأداء.

• أما العمل العاطفي العميق، فرغم أنه أكثر تطلبًا، إلا أنه يُظهر نتائج إيجابية على المدى الطويل من حيث التكيف والرضا.

التأثير على الأداء:

عندما يُطلب من الموظف إخفاء مشاعره الحقيقية باستمرار، فإن ذلك يؤدي إلى “انفصال عاطفي” يضعف التواصل ويؤثر على جودة الخدمة. لذلك، من المهم أن تُدرك المؤسسات أهمية توفير بيئة داعمة تُقلل من الحاجة إلى العمل العاطفي المفرط.


الذكاء العاطفي مقابل الذكاء التقليدي: أيهما أكثر تأثيرًا في بيئة العمل؟

الذكاء التقليدي (IQ) يُقاس بالقدرة على التحليل، التفكير المنطقي، وحل المشكلات. أما الذكاء العاطفي (EQ) فيتعلق بالقدرة على فهم الذات والآخرين، تنظيم المشاعر، وبناء علاقات فعالة.


المقارنة                       الذكاء التقليدي (IQ)                   الذكاء العاطفي (EQ)

القدرة التحليلية                     عالية                                       متوسطة

فهم المشاعر                   منخفض                                       مرتفع

القيادة والتأثير                  محدود                                          قوي

التكيف مع الضغوط.      ضعيف                                       مرتفع

بناء العلاقات                 أقل فعالية                                    أكثر فعالية


لماذا يُعد EQ أكثر أهمية في بيئة العمل؟

• يُساعد في إدارة النزاعات بطريقة بنّاءة.

• يُعزز التعاون بين الفرق.

• يُقلل من التوتر ويُحسن الصحة النفسية.

• يُسهم في اتخاذ قرارات أكثر توازنًا.

في الواقع، أظهرت الدراسات أن القادة الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من الذكاء العاطفي يحققون نتائج أفضل في إدارة الفرق، مقارنةً بمن يعتمدون فقط على الذكاء التحليلي.


التدخلات الفعالة لدعم المرونة العاطفية وتقليل الإرهاق النفسي

في بيئات العمل عالية الضغط، يصبح دعم الصحة النفسية أمرًا حاسمًا. إليك أبرز التدخلات التي أثبتت فعاليتها:

1. برامج التدريب على الذكاء العاطفي

تُساعد الموظفين على فهم مشاعرهم، التحكم بها، والتفاعل بشكل إيجابي مع الآخرين. يمكن أن تشمل ورش عمل، جلسات تدريب فردية، أو أدوات تقييم ذاتي.

2. جلسات التفريغ النفسي (Debriefing)

تُتيح للموظفين التعبير عن مشاعرهم بعد المواقف الصعبة، مما يُقلل من تراكم التوتر ويُعزز الشعور بالدعم.

3. تعزيز ثقافة التعاطف

عندما يشعر الموظفون أن مشاعرهم مفهومة ومُقدّرة، فإن ذلك يُقلل من الحاجة إلى العمل العاطفي السطحي، ويُعزز الولاء والرضا.

4. المرونة في بيئة العمل

توفير خيارات مثل العمل عن بُعد، ساعات مرنة، أو فترات راحة منتظمة يُسهم في تقليل الإرهاق وتحسين التوازن بين الحياة والعمل.

5. دعم القيادة الواعية

القادة الذين يُظهرون تعاطفًا ويفهمون ديناميكيات المشاعر يُساهمون في خلق بيئة عمل صحية ومستقرة.


نحو بيئة عمل أكثر إنسانية

تنظيم المشاعر ليس رفاهية، بل ضرورة في عالم العمل الحديث. من خلال فهم النظريات النفسية، وتطبيق استراتيجيات فعالة، يمكن للمؤسسات أن تُعزز رفاهية موظفيها، وتُحقق أداءً مستدامًا. الذكاء العاطفي، والعمل العاطفي، والمرونة النفسية ليست مفاهيم نظرية فحسب، بل أدوات عملية لإعادة تشكيل بيئة العمل لتكون أكثر إنسانية، إنتاجية، واستدامة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مراجعة منهجية حول الصراع بين العمل والأسرة (Work-Family Conflict)

المكاتب الصامتة مقابل المكاتب المفتوحة: أيهما أفضل لراحة الموظف؟

مفهوم الرفاهية الرقمية في أماكن العمل الحديثة: التحديات والاستراتيجيات بعد كوفيد-19

كيف تساعد قيم المؤسس على نجاح العلامة التجارية؟ | دليلك لبناء هوية تجارية قوية

دليلك للاستقلال المهني الذكي

كيف تضمن نجاح شراكة أي عمل؟ دليلك لبناء علاقة مهنية قوية

الاحتراق الوظيفي: كيف تحمي صحتك النفسية في بيئة العمل الضاغطة؟